عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

49

معارج التفكر ودقائق التدبر

والسّبب في ذلك أنّهم مستغرقون في غفلاتهم . وإنّ آذانهم توصل إلى مراكز السّمع في أدمغتهم كلّ كلمة وهمسة تخدم أهواءهم وشهواتهم ولذاتهم من متاع الحياة الدّنيا ، ولكنّها لا توصل إليها أيّة عبارة أو كلمة أو صيحة تذكّرهم باللّه واليوم الآخر ، وتحذّرهم من اتّباع أهوائهم وشهواتهم ووساوس الشياطين وتسويلاتهم ، وتخوّفهم من عذاب اللّه ونقمته ، أو تبيّن لهم واجباتهم تجاه ربّهم ، أو تصلهم بالدّار الآخرة إنذارا أو بشارة وإطماعا . إذن : فالبيان المطابق لحالهم بالنّسبة إلى ما يتعلّق بواجبهم تجاه ربّهم ، ومصيرهم يوم الدّين ، وسائر القضايا الدّينيّة ، أن يقال بشأنهم : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . . . ( 179 ) : أي : بالنّسبة إلى قضايا الدّين ، ويوم الدّين . قول اللّه تعالى : . . . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ . . . ( 179 ) . أي : فإذا كان واقع حالهم النّفسيّ هو ما سبق بيانه ، فما هي المخلوقات الحيّة الّتي يشبهونها ، بعد أن فقدوا فقه القلوب ، وحجبت مراكز إبصارهم ومراكز سمعهم عن أن تصلها الواردات الّتي توصل إلى قلوبهم ما يهديهم إلى معرفة بواطن الأمور وخفاياها ، ومعرفة ما وراء ظواهر الحياة الدنيا ، ومعرفة ما يسدّد في الحياة الدنيا مسيرتهم ، للظفر بالمستقبل السّعيد يوم الدين ؟ ؟ الجواب : إنّ المخلوقات الحيّة الّتي يشبهونها هي الأنعام ، بل هم أضلّ من الأنعام ، لأنّ الأنعام لم تؤت ما أوتوا من تكريم بالصّفات الإنسانية الّتي أوتوها ، فهي تعيش ضمن هبات اللّه لها عيشا سويّا .